أحمد بن علي الرازي
242
شرح بدء الأمالي
يعنى لإرسال الرسل إلا هذا وهذا مما لا استحالة له أصلا ، والثاني : إرسال الرسل في الحكمة من الواجبات ما ذكرنا بالعقل يوقف في شكر نعمة المنعم وقبيح الكفران ، والعقل لا يهتدى إلى معرفة ذلك بطريق التفضيل ؛ لأنه لا يعرف قدر النعمة قدر ما يجب من الشكر ، وإنما يعرف ذلك بالسمع ، والسمع بإرسال الرسل واجبا في الحكمة . وقال بعض أهل السنة : إن إرسال الرسل في الحكمة من الجائزات . قلنا : نحن لا نعنى بوجوه أنه يجب على ذلك بالإجابة أو إيجاب غيره تعالى الله عن ذلك ، وقلنا : نعنى به أن [ 161 ] قضية الحكمة أن يوجد لا محالة وإن علامته يكون مخالفا لقضية الحكمة ، والثالث : إذا ثبت أن إرسال الرسل في الحكمة من الواجبات لكن رسالة شخص بعينه ليس بواجب يجوز أن يكون ذلك غيره ، ولا بد من دليل يدل عليه ، والدليل على ذلك قيام المعجزة على يده تعين أنه رسول الله . والرابع : في إثبات رسالة نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فالدلالة على صحة نبوته ورسالته قيام المعجزات الظاهرة على يده كانشقاق القمر بإشارته ، ومجىء الشجرة من موضعها إليه عند إشارته إليها وعودها إلى مكانها ، وتسليم الشجرة عليه ، وتسبيح الحصا في يده ، ونبع الماء من بين أصابعه ، وشكاية الناقة ، وإخبار الشاة المصلية عن السم الّذي فيها ، وإشباعه الخلق الكثير من الطعام القليل ، وشرب الكثير من الشراب القليل ، ومن الماء والسحاب الّذي كان يظله قبل بعثه ، ومكان خاتم النبوة بين كتفيه ، وأنه كان أطيب ريحا من المسك ، وإخباره عن الغيوب في الماضي والمستقبل ، وكان كما أخبر مع أنه كان أميا ، وإشارة عيسى عليه السلام ببعثه وغير ذلك ما لا يحصى ولا يعد ، ومن أعظم المعجزات هذا القرآن [ 162 ] العظيم فإن العرب بفصاحتهم وبلاغتهم وتميزهم عجزوا عن الإتيان بمثله ولا بسورة من مثله ، وكان مؤيدا بقوة سماوية ، ومعصوما بعصمة إلهية ومنصورا بنصرة ربانية وما يختص بذاته الشريفة من الأخلاق الطاهرة والشجاعة المتناهية بحيث ما ولى دبره قط ولم يوجد عليه كذب ونهاية شفقته على الخلق ، والله فتح بشرعه الشرائع ، وأنهى بملته الملل ، وفضله على سائر الأنبياء ، وختم به الرسالة ، وسد به باب النبوة ، وجعله سيد البشر ، وشفيع الأمة يوم المحشر . وأكرمه باللواء والحوض والكوثر ، وجعله شهيدا على سائر الأمم ، وجعل أمته خير الأمم ، وفضل آله وطهر أهل بيته وجعل أزواجه أمهات المؤمنين ، واختار له أصحاب وقرن ذكرهم مع ذكره ، ومنع كمال الإيمان إلا بشهادة التوحيد وهو قوله لا إله إلا